أحمد بن ابراهيم النقشبندي

252

شرح الحكم الغوثية

فلذلك قال في الحكم العطائية : ادفن وجودك في أرض الخمول ، فما نبت مما لم يدفن لا يتمّ نتاجه « 1 » .

--> ( 1 ) قال سيدي ابن عجيبة : الدفن هو التغطية والستر ، والخمول سقوط المنزلة عند الناس ، ونتائج الشجرة ثمرتها أستعير هنا للحكم والمواهب والعلوم التي يجتنيها العبد من المعرفة باللّه ، وذلك عند موت نفسه وحياة روحه . قلت : استر نفسك أيها المريد وادفنها في أرض الخمول حتى تستأنس به وتستحليه ، ويكون عندها أحلى من العسل ويصير الظهور عندها أمر من الحنظل ، فإذا دفنتها في أرض الخمول وامتدت عروقها فيه ، فحينئذ تجني ثمرتها ، ويتم لك نتاجها وهو سر الإخلاص والتحقق بمقام خواص الخواص ، وأما إذا لم تدفنها في أرض الخمول وتركتها على ظهر الشهرة تجول ماتت شجرتها أو أسقطت ثمرتها ، فإذا جنى العارفون ما غرسوه من جنات معارفهم من العلوم ، وما دفنوه من كنوز الحكم ومخازن الفهوم بقيت أنت فقيرا سائلا أو سارقا صائلا . قال سيدنا عيسى عليه السلام لأصحابه : أين تنبت الحبة ؟ قالوا : في الأرض . قال : كذلك الحكمة لا تنبت إلا في قلب كالأرض انتهى . وقال بعض العارفين : كلما دفنت نفسك أرضا أرضا سما قلبك سماء سماء وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به ، تنبوا عنه أعين النّاس ، لو أقسم على اللّه لأبرّه في قسمه » . وكان عليه الصلاة والسلام جالسا مع الأقرع بن حابس كبير بني تميم فمر عليه رجل من فقراء المسلمين فقال عليه السلام للأقرع بن حابس ما تقول في هذا ؟ فقال : هذا يا رسول اللّه من فقراء المسلمين حقيق إن خطب أن لا يزوج وإن استأذن أن لا يؤذن له وإن قال ألا يسمع له ثم مربهما رجل من المترفين فقال له عليه السلام : وما تقول في هذا فقال هذا حقيق إن خطب أن يزوج وإن استأذن أن يؤذن له ، وإن قال إن يسمع له فقال له صلى اللّه عليه وسلم : « هذا - يعني الفقير - خير من ملء الأرض من هذا » . وفي مدح الخمول أحاديث كثيرة وفضائل مشهورة ، ولو لم يكن فيه إلا الراحة وفراغ القلب لكان كافيا . وقال بعض الحكماء : الخمول نعمة والنفس تأباه والظهور نقمة والنفس تهواه . -